الدولة الإسلامية المعاصرة وواقعية الحكم الإسلامي



ولا أعتقد أن الحركات الإسلامية التي مثلت غالبية ساحقة في انتخابات ما بعد الثورة لها القدرة على التراجع والعدول عن استلام مهام تشكيل النظام الناشئ الجديد "الدولة" وفق مفهوم إسلامي شمولي النظرة، واقعي التطبيق، لكن السؤال الكبير الذي سيبقى محاصراً لهذه الدولة هو: هل إنشاء دولة ذات طابع إسلامي يقع ضمن مصطلح الدولة الدينية؟ أم أن الدولة الإسلامية المعاصرة ستبقى دولة حديثة ضمن خصوصية تتمثل في البعد الذي تمثله الأحزاب الإسلامية الحاكمة؟

------------------------- 
فتح عالم ما وراء الثورات العربية، وانتصارات الإسلاميين فيها -فكراً وسياسة وحسن إدارة- أسئلة جادة حول مستقبل النظام العربي المتشكل بعيد فوز الإسلاميين وطبيعة الدولة المعاصرة ذات البعد الإسلامي، ومستقبل هذه الدول والتحديات المحتملة لتحقيق نظام سياسي ذي صبغة إسلامية.

فهل يكفي للتصور الإسلامي أن ينخرط في نظام سياسي عصري ثم يصبغ بالصبغة الإسلامية من خلال الغاية والمنهج ليحقق طموحاته وآماله وشعاراته؟

وهل يمكن أن تبنى أركان الدولة الإسلامية وفق رؤى عصرية يعمل التيار الإسلامي من خلالها على إصلاح وتغيير ما كان سائداً ثم تقديم أنموذج في التصور ينطلق من الفكر الإسلامي دون حاجة لإعلان إسلامية الدول بشكل مباشر؟

أم أن هذا النظام الوليد لن يكتسب الصفة الإسلامية ما لم يعلن الحاكمون فيه عن دولتهم بأنها دولة إسلامية أو خلافة إسلامية؟

أم أن هذا التصور يعني: أن مفهوم الدولة الإسلامية الناشئ الجديد في الفكر الإسلامي المعاصر يعني أن الدولة الإسلامية المعاصرة لا تلتقي مع مفهوم الخلافة التي مثلت واقعاً تاريخياً ممتداً منذ فجر الإسلام الأول حتى هدمها أتاتروك قبل ما ينيف عن قرن من الزمان؟

وهل مفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة المتحقق من خلال برنامج سياسي يُفَعَّل داخل نظام عصري يحقق طموحات الإسلاميين في برامجهم وأدبياتهم اللاتي نادوا بها منذ عقود؟

وهل الدولة الإسلامية المنتظرة ستكون لها إمكانات التشكل ومقومات الاستقلال والتعايش في خضم العالم المدني المعاصر دون أن تراعي واقعية العصر أو عصرية الدولة في زمن أقل ما يقال في حقه أنه زمن الانفتاح والتكنولوجيا والعولمة والاقتصاد؟

صحيح أن هذه الأسئلة تمثل في حقيقتها عتبات نصية تحتاج إلى مشاريع بحث جادة يقوم عليها أهل الاختصاص من فقهاء الشرع والسياسة والقانون، غير أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة، وتداعيات هذه التحولات وبروز ظاهرة الإسلام السياسي المشكل للنظم الجديدة قد لا يسمح بالتريث والانتظار ريثما يقطع في هذه القضايا المعقدة، ويبت فيها، بل ربما تكون هذه القراءة البحثية محاولة ضرورية لعصف ذهني يوجه أسئلة الخطاب نحو قضية سياسية ساخنة تحتاج إلى بعديها الفكري والشرعي؛ فالحكومات المشكلة فيما بعد الثورات تطرح نفسها على أنها حكومات تمثل المنهجية الإسلامية في الحكم والسياسة؛ فالإسلام في كليته وشموليته -عند هؤلاء- يعد مصدر التشريع الأول في بناء الدولة، بل إن الأحزاب المشكلة لهذه الحكومات هي نفسها الأحزاب التي كانت تنادي -عبر عقود- بتبني الإسلام وتحكيمه.

إن طرحنا لموضوع الدولة -الآن- قد يعين على  كشف الحجب عن أسئلة الإعاقة، وجدليات الخلاف الفقهي حول مفهوم الدولة، لأن الحديث هنا يحاول أن ينصب في بوتقة واقع متشكل تمثل الإسلامية جزأه الأكبر من حيث المسؤولية وحمل الأمانة.

ولا أعتقد أن الحركات الإسلامية التي مثلت غالبية ساحقة في انتخابات ما بعد الثورة لها القدرة على التراجع والعدول عن استلام مهام تشكيل النظام الناشئ الجديد "الدولة" وفق مفهوم إسلامي شمولي النظرة، واقعي التطبيق، لكن السؤال الكبير الذي سيبقى محاصراً لهذه الدولة هو: هل انشاء دولة ذات طابع إسلامي يقع ضمن مصطلح الدولة الدينية؟ أم أن الدولة الإسلامية المعاصرة ستبقى دولة حديثة ضمن خصوصية تتمثل في البعد الذي تمثله الأحزاب الإسلامية الحاكمة؟

الدولة الاسلامية بين المفهومين: الشرعي والقانوني:

إذا كان التصور الاسلامي حول السلطة والحكم  ينطلق من أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الاسلام ديناً قيماً ملزماً وشاملاً في أحكامه وتعاليمه في كل ما يخص الأرض والإنسان، وأن الدولة خاضعة لهذا التصور في أحكامها وتنظيمها وتوجيهاتها كما جاء في قوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" (النحل : 89).

وإذا كانت الحاكمية –وفق هذا التصور- لله وحده، والغاية من الوجود البشري محصورة في تنفيذ ما أمر الله، وترك ما نهى عنه، فهل يعني ذلك أن لا حاكم فعلياً غير الله، مما يدخلنا في جدلية "الدولة الدينية" وفق المفهوم الغربي؛ تلك الدولة التي يعد الإله فيها هو الحاكم المدني الأعلى وتحكُم فيها السلطات الدينية ممثلةً له(1)؟

ثم هل لمنكر أن يقول: إن تجربة الدولة الإسلامية عبر قرون الخلافة -إذا ما اسثنينا حكم النبوة، وحكم الصحابة رضي الله عنهم-، لن يختلف كثيراً عن حكم الامبراطوريات التي يصبح الدين معها عاملاً من عوامل توطيد الحكم، لا أساساً فيه؟

إن تصورات ميكافيلي وهيجل وماركس حول مفهوم الدولة تلتقي أحياناً مع تصورات عالم الاجتماع الإسلامي ابن خلدون حينما بين علاقة الدين بالدولة، حيث ينطلق في تحليله من أن عصبية النسب هي أساس التركيبة الاجتماعية(2)، ولعل هذه العصبية (النسب) هي التي شكلت جسد الخلافة عبر عصورها ولا أدل على ذلك من أسماء الدول: كالأموية والعباسية والفاطمية... الخ.

وقد كان الملك في تجربة أولئك طريقاً للمجد والشهرة، حتى حينما كان الإسلام يدخل كشرط في الخلافة كانت المنافسة تقع ضمن هذه العصبية، ولذا كانت فترة الخلافة التي يغلب فيها الوازع الديني وحده على العصبية دون أن يلغيها قصيرة ما لبثت أن تركت الأمور تجري إلى نهايتها المنطقية في الملك القائم على القهر والسيف ومنعته العصبية (3).

وهل ذلك الواقع التاريخي الشائب لا يسمح بتقديمه كأنموذج يؤخذ منه ويرد؟ أم أننا سنكون مدعوِّين لتقديم شاهد أكثر وثوقية من مثال بشري يخضع لمنطق الصحة أو الخطأ.

ولعلنا نستحضر هنا نصين من نصوص القرآن، يمثلان منطلقاً هاماً في التصور الشرعي للحكم بصفة عامة أما أولاهما: قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (سورة النساء: 58).

ولعل ورود كلمة الناس في سياق الآية يشير إلى أن المبدأ عام في الحكم، ولا يخص الشرائع التي تطبق على المسلمين، دون غيرهم.

والنص الثاني من هدي المصطفى-صلى الله عليه وسلم-؛ فقد ورد في الصحيح: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة؛ قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة"(4).

لكن ما موقع هذا التصور الذي يبنى على مبدأ العدل العام في مفهوم الدولة المعاصرة أو دولة المؤسسات أوالدولة الديمقراطية؟ حيث استقر في أذهان السياسيين أن الدولة الحديثة الديمقراطية هي: (التي تكون سلطة الدولة فيها للشعب يمارسها بطريق غير مباشر أو مباشر ضمن نظام تمثيلي عادل)(5).

الدولة الإسلامية والفهم الغربي :

يرفض الإسلاميون أن يكون ما يطرحونه من إسلامية الدولة مشابهاً لما قدمه الفكر الغربي حول فهمهم للدولة الدينية؛ ذلك: "أن هذا النموذج (المسيحي) مِن الحُكم هو السائد في أوروبا في القرون الوسطى، حيث كانت الكنيسة مارداً جباراً وطاغوتاً جائراً يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد، ويُريد أنْ يُسيطر على كل شيء ويُسَيِّر كل شيء وفق إرادته وهواه. ولم تدع الكنيسة جانباً مِن جوانب الحياة دون أنْ تمسكه بيدٍ مِن حديد وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع مِن كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأقوالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة. وإنَّ التاريخ ليفيض في الحديث عن طغيان الكنيسة ويُقَدِّم نماذج حية له في كلِ شأنٍ مِن الشؤون"(6).

هذا في الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية حاملةً لشُعلة الحضارة والتقدم في العالم. فـالأقطار التي لم يشملها نور الإسلام –لا سيما في أوروبا الهمجية– ظلت ترزح تحت نير الطغاة، وظل الفرد الأوروبي عدة قرون يعبد الهين مِن البشر: الامبراطور والبابا. الأول يدَّعي أنَّ له الحق في حُكم الناس وفق مشيئته ويخضعهم لهواه، والثاني يُبارِك خطواته ويُلزِم الشعب بطاعته لأنَّ ذلك يأمر به الله وتمليه السماء(7).

وفي هذا يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "يريدون أن يطبقوا على الإسلام في الشرق ما طبق على المسيحية في الغرب، ومع أن الإسلام غير المسيحية، والمسجد غير الكنيسة، وتاريخ علماء الإسلام هنا غير تاريخ رجال الكهنوت هناك، ولا يوجد في الإسلام: دع ما لقيصر لقيصر، ومال لله لله، بل يعلن الإسلام أن لقيصر وما لقيصر كله لله الواحد الأحد، ولم يقف الإسلام ضد العلم والفكر والإبداع والتحرر، كما وقفت الكنيسة في الغرب، ولم ينشئ محاكم التفتيش الرهيبة التي أنشأتها الكنيسة لتحاكم العلماء والمفكرين والمبدعين، أحياء وأمواتاً"(8).

مفهوم الدولة في الإسلام:

لقد بدا واضحاً من العرض السابق أن الدولة الإسلامية المعاصرة تختلف في أهدافها ووظائفها ومصادرها التشريعية عن غيرها مِن النماذج البشرية الوضعية التي شهدها التاريخ الإنساني. ولكنها في الوقت ذاته ليست سوى واقع سياسي يتسم بالعدل والأمانة وحسن الإدارة وتحقيق ما نادت به الشريعة من تسيير أمور الناس تسييراً يضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة.

دولة الرسول في المدينة :

ستبقى التجربة الإسلامية الأولى في إقامة الدولة، ومزاولة الحكم واحدة من التجارب الفريدة التي لا يمكن إغفالها أو تجاوزها أو القفز عنها؛ لأنها تعد أساساً يقاس عليه ومنطلقاً يحتذى به .

والناظر لواقع تلك الدولة وماهيتها يجدها دولة قانونية بالمفهوم المعاصر؛ ذلك أنها كانت تقوم على قواعد ثابتة، يتحرك الحاكم من خلالها لتحقيق العدل والحرية وتنفيذ مصالح الأفراد والجماعات.

إن دولة الإسلام الأولى كانت تقوم على أسس عليا، ومرجعية واضحة أخذت من الكتاب والسنة، وطبقت في الواقع البشري تطبيقاً عادلاً ينسجم مع حاجة البشر وطبائعهم، ولعل نظرة إلى الوثيقة السياسية التي أقرها الرسول لتكون دستوراً للتفاهم السياسي في مجتمع مدني مختلط الطوائف والمشارب يؤكد أن النظام السياسي الذي أقامه الرسول نظام يؤمن بالواقعية والتعددية، ويراعي قانون العلاقات الدولية، ويختلف كلياً عن مفهوم الدولة الدينية الجامد الذي عرف في الغرب(9).

ومن هنا، فإن الحديث عن دولة إسلامية مستنيرة بهدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مستجيبة لمطلب الشعب، لا يعني حديثاً عن الجمود والكهنوتية، بل هو حديث في صلب دولة القانون والمؤسسات، فقد كان القانون سيد الموقف في تلك الدولة .فقد ورد: "أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فكلمه أسامة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(10).

وإذا كان أساس الدولة القانونية هو مجموعة القواعد والأحكام التي تبني شكل الدولة ونظام الحكم فيها، فإن مفهوم الحكم في الإسلام لا يبتعد عن هذا ولا يصطدم معه، فالقوانين المستقاة من مصادر التشريع الإسلامي تصبح قوانين تحكم شؤون الناس وفق طبيعة سياسية وقانونية، وليست جزءاً من التعبد، بدليل أنها تجري على المؤمن والكافر، بل هي في جملتها أساس لإقامة العدل بين الناس .

      ولا بد أن نشير -هنا- الى قضية فنية في الحكم الاسلامي؛ ذلك أن أحكام القانون في الإسلام متدرجة وليست كلها على درجة واحدة في التبني؛ فإذا كان القرآن قطعي الثبوت، فإن بعض دلالات آياته ظنية، مما يسمح بقدر من الاجتهاد في بعض القضايا، وقد فهم الصحابة هذا وهم يمارسون نظام الحكم وتطبيق القوانين؛ فهذا معاذ بن جبل لما بعثه الرسول إلى اليمن قال: "أقضي بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد، قال: أقضي بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي ولا آلو"(11).

وارتباط النظم والتشريعات بالجانب العقدي الإسلامي لا يخرجها عن الصبغة الموضوعية المتوخاة، أو عن الغاية المنشودة في إقامة العدل والمساواة في الدولة القانونية؛ فالحقوق والمساواة في الدولة الإسلامية قائمة أصلاً على تكريم الإنسان وتحقيق سعادته وأمنه واستقراره في الأرض، قال تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء:70).

بهذا التكريم تصبح الحقوق والحريات -من منظور التصور الإسلامي، أو النظام السياسي الإسلامي- منحة ربانية وضمانة استراتيجية في الحفاظ على الإنسان وكرامته، وهذا يعطيها خصيصة تميزها عن الحريات المنصوص عليها ضمن قانون الدولة الحديثة؛ ذلك أن الهبة الربانية تعني: أن الله -سبحانه وتعالى- أقرها لخلقه، وكان إقراره الأولي ضامناً للنفس حق الحياة، ثم حق الحياة الكريمة الثانية؛ فحق المرء في الحياة لا يقوى على مصادرته أحد؛ قال صلى الله عليه وسلم: "لا يَحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كَفَرَ بعدَ إسلامهِ، أو زَنَى بعد إحصانهِ، أو قَتَلَ نفساً بغير نفس"(12) وما عدا ذلك، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، بل من الدنيا أجمع. وفي ذلك يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا" (13) وهذا الحديث وحده يكفي لبيان عظيم حرمة دم المسلم، ثم تبصّر ماذا سيكون موقفك عند الله يوم القيامة إنْ أنت وقعت في دم حرام، نسأل الله السلامة .

قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً" (النساء : 93): (يقول الله تعالى؛ ليس لمؤمنٍ أنْ يقتل أخاه بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين(14) عن ابن مسعود: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "لا يحلُ دم امرىء مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، ثم إذا وقع في شيء من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أنْ يقتله، وإنَّما ذلك إلى الإمام أو نائبه)(15).

وقال ابن كثير في تفسير نفس الآية: (وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول الله سبحانه في سورة (الفرقان: 68) "وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ" الآية، وقال تعالى : "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً" إلى أنْ قال: "وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الأنعام : 151)، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً: وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من جحد آية من القرآن، فقد حل ضرب عنقه، ومن قال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فلا سبيل لأحد إلاّ أنْ يصيب حداً فيقام عليه") (16).

وفي رواية عن أنس -رضي الله عنه-: "فإذا شهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حُرّمتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم" (17).

والنظام الإسلامي نظام يؤسس لدولة مؤسسات، ذلك أن شمولية الطرح الإسلامي يجعله قابلاً للتفاعل مع كل مستجد واستيعاب كل ما لم تنص عليه الشريعة كقوانين السير، والنظام التعليمي والنظام الصحي، ووظائف الدولة والتسليح، والبناء والعمران......الخ، لكن هذه الشمولية لا تعني المطلق واللامنضبط، فهي حرية واسعة بحدود شرعية عامة تتحرى مصلحة الجماعة، وحق الفرد فيما أوجبه الشرع أو أباحه، وتقييد هذه الحرية لا يعني دكتاتورية في الحكم وتسلطاً في القانون، بل إن ضوابط هذا التقييد تنطلق من قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي قاعدة تضمن الحفاظ على أمن الوطن وأمن المواطن .

والإسلام ليس ضد حرية الرأي كما يتوهم المنتقدون لنظام التشريع الاسلامي، فنصوص الإسلام واضحة في هذا، وتاريخ الدولة الأول يثبت عملياً أن الإسلام لا يكره أحداً على رأي، فقد جاء في وثيقة المدينة: "أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"؛ فكيف يزعم الزاعمون: أن الإسلام يريد أن يكره الناس ويغلق عليهم عقولهم ويصادر حقوقهم ويعمل عليهم السيف مقطعاً أيديهم وراجماً عليهم حتى الموت .

إن الإسلام بشموليته نظام يحمل تصوراً كاملاً حول علاقة الإنسان بالكون وعلاقته بما وراء هذا الكون، ينطلق من وعي دقيق بطبيعة النفس البشرية واحتياجاتها، ويسعى برفق لضمان استقرار الناس في هذه الحياة الدنيا، أما ما له علاقة بالعقيدة والالتزام بما أمر الله من عبادات وعقائد؛ فذلك دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فهل أدرك الغافلون طبيعة هذا الدين القويم، أم أنهم ما زالوا في غيهم يعمهون؟!!

المراجع:

1)   [قاموس الورلد بوك]. وكان هذا النموذج مِن الحُكم هو السائد في أوروبا في القرون الوسطى.
2)   عبد الرحمن ابن خلدون،"مقدمة العلامة ابن خلدون" المطبعة الأدبية، بيروت عام1900، ص128-129.
3)   المقدمة، ص207.
4)   رواه البخاري في كتاب العلم، حديث59 الفتح ج1/141 عن أبي هريرة.
5)   الموسوعة البريطانية  (Democracy).
6)   العَلمانية: نشأتها وتطورها وأثرها في الحياة الإسلامية المعاصِرة– د. سفر الحوالي (ص127).
7)   Ktsi Kw216
8)   الدكتور يوسف القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص8، دار الشروق، ط3، 2001.
9)   د.ثروت بدوي، النظم السياسية في الإسلام، ص 34.
10) البخاري (3288، 6406)، مسلم (1688).
11) أبو داود، ج3،ص302.
12) أبو داود ( 4502 )، وابن ماجه ( 2533 )، والترمذي ( 2158 )، والنسائي 7/91 وفي الكبرى، له (3482) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه .
13) النسائي 7/82 وفي الكبرى، له ( 3448 ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
14) البخاري 9 / 6 ( 6878 )، ومسلم 5 / 106 ( 1676).
15) تفسير ابن كثير: 514 و515 .
16) تفسير ابن كثير: 516 .
17) أخرجه: ابن ماجه ( 2539)، وابن عدي في " الكامل " 3/280 .

حقوق النشر محفوظة لموقع "قاوم"، ويسمح بالنسخ بشرط ذكر المصدر

كاتب وأكاديمي فلسطيني.

0 commentaires:

إرسال تعليق